التقنيات الجديدة في التربية والثورة التكنولوجية والعلمية في العصر


النص

 صحيفة التخطيط التربوي في البلاد العربية - العدد /28/ - كانون الثاني/نيسان 1972

التقنيات الجديدة في التربية

والثورة التكنولوجية والعلمية في العصر
الدكتور عبد الله عبد الدائم
مدخل:
ذكرنا في بحثنا السابق حول »مشكلات التربية في البلاد العربية ودور التقنيات التربوية الجديدة في مواجهتها« أن ثمة مبررين رئيسيين ومتداخلين يبرران الاهتمام بالتقنيات الجديدة في التربية:
أولهما أزمة التربية في البلاد العربية وفي البلدان النامية عامة، تلك الأزمة التي تستلزم أول ما تستلزم اللجوء إلى تقنيات تربوية جديدة تمكننا من أن نعلّم تعليماً أفضل وأوسع وأسرع بوساطة الموارد المالية والمادية والبشرية المتاحة نفسها.
وثانيهما ظهور الثورة العلمية والتكنولوجية في عصرنا، وانعكاسات تلك الثورة على شتى ميادين الحياة، وعلى رأسها ميدان التربية.
وقد تحدثنا عن المبرر الأول في ذلك البحث السابق. ونتحدث الآن عن المبرر الثاني، مبينين معالم الثورة العلمية والتكنولوجية التي غزت عصرنا، ومشيرين إلى نتائجها في ميدان التربية.
أولاً: ما هي الثورة العلمية والتكنولوجية في عصرنا؟
يكثر الحديث في أيامنا هذه عن الثورة العلمية والتكنولوجية التي انطلقت في عدد من البلدان المتقدمة، والتي يرجى أن تسود السنوات المقبلة من القرن العشرين، وأن تولد منها حضارة جديدة من طبيعة جديدة.
ويقال فيما يقال أن تلك الثورة مدعوة إلى أن تحدث تغييرات جذرية في بنية حضارتنا وأسس حياتنا كلها، وإنها بالتالي قمينة بأن تخلق حضارة محدثة تختلف في الطبيعة والنوع، لا في الدرجة والكم فحسب، عن الحضارة التي عرفها العالم حتى اليوم. ويصف الواصفون تلك الحضارة الموعودة بأنها حضارة »ما بعد الصناعة« ويطلقون على المجتمعات التي ستسود فيه اسم »مجتمعات ما بعد الصناعة Sociéiés post-industrielles «.
فما هي حقيقة تلك الثورة وما مقوماتها وما أبعادها؟
(1) الثورة الصناعية والثورة العلمية والتكنولوجية:
للإجابة على هذا السؤال لابدّ أولاً من التمييز بين ثورتين وعصرين: عصر الثورة الصناعية الذي رافق ظهور الرأسمالية، ثم عصر الثورة العلمية والفنية.
وقد كان أول من أدخل مصطلح الثورة العلمية والتكنولوجية الباحث »برنال J.C.Bernal « أحد مؤسسي »علم العلم Science of science « وصاحب كتب عديدة، أشهرها كتابان: أولهما Science and History (وقد طبع في لندن عام 1955) وثانيهما World without war (وقد طبع في عام 1958).
وقد دعاه وسواه من الباحثين إلى تمييز هذه الثورة الجديدة عن سابقتها، تلك التغيرات التي تحدث اليوم في أسس الحياة المادية للإنسان، وذلك التطور الجذري الذي يقع في العلم والتقنية في السنوات الأخيرة، وما يرجى من مزيد التطور في هذين المجالين في السنوات العشرين أو الثلاثين المقبلة. وقد أدرك الباحثون أن تلك التغيرات والتطورات تضعنا أمام موقف جديد يتجاوز في نتائجه إطار الثورة الصناعية بل يناقضها أحياناً. وأهم ما فيها – كما سنرى – ما تؤدي إليه من تطور في مفهوم قوى الإنتاج وبالتالي في العلاقات الاجتماعية.
(2) معالم الثورة الصناعية:
ومن هنا كان لابدّ من البدء بتحديد معالم الثورة الصناعية التي تأتي الثورة العلمية والتكنولوجية لتغير من طبيعتها بل لتناقضها أحياناً.
والثورة الصناعية - كما نعلم – ثورة ولدت منذ حوالي قرنين. وهي ثورة تعتمد على الإنتاج الصناعي الكبير. وقوامها استخدام الآلات مع تشكيلة من العمال تلائم تلك الآلات أو أقل منظومة من الآلات تستخدم كتلة من اليد العاملة.
ودور كتلة اليد العاملة هذه – في تلك الثورة – مجرد دور إجرائي تنفيذي، أي مجرد ضبط الآلة وأحكام سيرها.
وبهذا المعنى نستطيع أن نقول أن الثورة الصناعية حررت عملية الإنتاج من ظروف العمل الفردي، التي كانت سائدة قبلها (في مرحلة الإنتاج Artisanale). وعن طريقها زالت الوحدة الذاتية الأولى للإنتاج التي كان قوامها المنتج (كما في نظام الحرف) أو مجموعة من العمليات المجزأة (كما في نظام صناعة الجملة Manufacture). وهكذا حلت محل تلك الوحدة الذاتية للإنتاج (التي كانت قوام المرحلة الحرفية السابقة) وحدة موضوعية لنظام الآلات، ذلك النظام الذي يخضع له »العامل الجماعي Ouvrier collectif «.
(3) معالم الثورة العلمية والتكنولوجية:
ثم كانت الانطلاقة العنيفة للعلم وللتقنية، تلك الانطلاقة التي كان من نتائجها أن بدأت تحطم إطار تلك الثورة الصناعية ومقوماتها، لتقيم مكانها بنية جديدة وديناميكية جديدة للقوى المنتجة.
وتتجلى تلك البنية الجديدة والديناميكية الجديدة للقوى المنتجة في المظاهر التالية:
أ- في وسائل العمل والإنتاج، تلك الوسائل التي تتجاوز –في هذه الثورة العلمية والتكنولوجية– حدود الآلات الميكانيكية، لتأخذ شكل الأوتوماتية والتحرك الذاتي والسبرانية Cybernetique ولتصبح بالتالي قادرة على الاضطلاع بوظائف مستقلة تجعل منها مركبات مستقلة للإنتاج.
ب- في موضوعات العمل والإنتاج التي تطورت أيضاً وتعددت، فلم تعد مقتصرة على المواد التي تقدمها لنا الطبيعة، بل تجاوزتها فولدت مواد جديدة متعددة، وابتكرت مواد صنعية لا حصر لها.
ج- في المظهر الذاتي للإنتاج، ذلك المظهر الذي لم يتغير منذ قرون، والذي طرأ عليه – بفضل الثورة العلمية والتكنولوجية – تغير جذري عميق يتجلى في الحقيقة التالية:
وهي أن جميع وظائف الإنتاج المباشر التي كانت تقوم بها اليد العاملة البسيطة غير المؤهلة أخذت تضمحل تدريجياً، وأن الإنسان بدأ يتحرر من وظائف الإنتاج القديمة (التنفيذ – المعالجة اليدوية – الضبط والأحكام) وبدأ يوكل تلك الوظائف إلى الآلة، ليتولى هو وظائف جديدة أسمى وألصق بطبيعته الإنسانية.
د- في القوى الإنتاجية الجديدة التي أخذت تدخل عملية الإنتاج وتحتل فيها مكانة أساسية، وعلى رأسها قوى العلم وتطبيقاته الفنية، وما وراءه من نمو للقوى البشرية المبدعة والنشاط الإنساني الخلاق.
هـ- في قوى الإنتاج نفسها وفي مكانة الإنسان بين تلك القوى، إذ أدى انتشار التقنية إلى حذف القوى الجسدية والفكرية المحدودة للإنسان من ميدان الإنتاج المباشر، وإلى انتصار مبدأ الأوتوماتية.
فمبدأ الأوتوماتية – كما نعلم – يمنح الإنتاج وحدة تقنية داخلية مستقلة عن الإنسان، ويجعل هذا الإنسان بالتالي على هامش عملية الإنتاج المباشر، ما دام أساس الإنتاج الأوتوماتي والسبراني ليس آلة معزولة بل عملية إنتاج آلي لا تنقطع، تتحرك بقوتها الذاتية وبانعكاساتها الداخلية.
ولعل هذا التغير الذي أحدثته الثورة العلمية والتكنولوجية في قوى الإنتاج هو أعمق آثارها وأكبرها شأناً. فقوة العمل البسيطة للإنسان لم تعد ضرورية ولم تعد قادرة على أن تنافس مردود المركبات التقنية للإنتاج. وأصبح تفوق الإنسان بالتالي على الآلة التي هي أقوى مبتكراته، يتجلى عن طريق واحد هو طريق طاقته الإبداعية. فبمقدار ما يهجر الإنسان الأعمال التي يستطيع أن يوكلها إلى مخلوقاته، تنفتح أمامه ميادين ما كان ليستطيع بلوغها من قبل.
(4) المبدأ الأوتوماتي ومقوماته:
وهكذا نرى أن من أهم مقومات الثورة العلمية والتكنولوجية، انتصار مبدأ الأتمتة، الذي يتجلى في »السبرانية Cybernetique « أي في التحرك الذاتي الداخلي للآلة عن طريق ما يشبه الفعل المنعكس. وأبرز مظاهر تلك السبرانية ظاهرة »التغذية الراجعة Feed-bank « التي تجعل الآلة تعمل بذاتها وبردودها واستجاباتها الداخلية، كالكيان العضوي للإنسان سواء بسواء.
وقد وصلت الأوتوماتية هذه إلى مرحلتها المتقدمة بظهور الحاسبات الإلكترونية Computers خاصة، ولا سيما الجيل الثالث من الحاسبات.
وأهم نتائج تلك الأوتوماتية كما نرى أنها تحذف نهائياً نشاط الإنسان من مرحلة الإنتاج المباشر وتحصره في مراحل ما قبل الإنتاج Pre-production (أي مراحل البحث العلمي والتحضير التكنولوجي والتنظيم العقلاني).
(5) التقدم العلمي ونتائجه:
وإلى جانب الأوتوماتية التي تكون مقوماً أساسياً من مقومات الثورة الجديدة، يبرز مقوّم آخر متكامل معها، هو التقدم العلمي وما يحدثه من تغيرات جذرية في حياة الإنسان وحضارة الإنسان, وأهم مظاهر ذلك التقدم العلمي ما يلي:
أ- الإنتاج الكيمياوي (Chimitisation)، ذلك الإنتاج الذي ينمو بسرعة تعادل ضعف سرعة نمو باقي الصناعات، والذي يحرر الإنسان من العدد المحدود من المواد الأولية الموجودة في الطبيعة ومن خصائصها الثابتة (كما نرى في إنتاج المواد الصنعية التركيبية Synthetiques وفي المواد البلاستيكية وفي الصناعات البتروكيمياوية).
ب- التقدم الكبير المذهل في الأبحاث البيولوجية وأبحاث علم النسل، وهي أبحاث قمينة بأن تحدث ثورة تفوق القنبلة الذرية. وتتجلى تلك الثورة في الدراسات الخاصة بالتأثير على العوامل الوراثية لدى الإنسان، وفي الأبحاث البيوكيمياوية على الدماغ، وفي الأبحاث الخاصة بعقم المرأة (جعلها عقيمة في الأصل ولودة عندما تريد)، وبتحديد صفات المولود وجنسه، وبتخليق المواليد الصناعيين، وفي الدراسات التي تستهدف إعادة فبركة الإنسان (عن طريق الأعضاء الصنعية)، وفي أبحاث إطالة العمر، بل حتى في الدراسات التي تأمل الوصول إلى خلق إنسان عن طريق زرع الأنسجة، أو إلى إحياء الإنسان بعد مماته، وبعث الجثث كرة أخرى (كما في مشروع اتنجر Ettinger الخاص بتبريد الجثث Freezing program).
ج- زيادة مصادر الطاقة، تلك الزيادة التي تتجلى في الطاقة الكهربائية والإلكترونية، وفي الطاقة الذرية والنووية. ويقدر الباحثون أن نصيب الطاقة البشرية المبذولة في الإنتاج خلال العقود القادمة لن تجاوز 1% من مجموع مصادر الطاقة التقنية.
ثانياً: انعكاسات الثورة العلمية والتكنولوجية على التربية:
وواضح أن مثل هذه الثورة العلمية والتكنولوجية التي تغير أسس حضارتنا وتبدل أركان حياتنا: لابدّ أن تنعكس على التربية.
لقد قيل بحق أن التربية التي كانت الدافع الأول لولادة تلك الثورة العلمية والتكنولوجية، لم تساير تلك الثورة ولم تحدث الثورة التكنولوجية في ذاتها، وظلت في أساليبها وطرائقها على السنن التقليدية التي عرفها الإنسان منذ أقدم العصور.
إن هذه التربية ما تزال تستخدم الأساليب الحرفية في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، ولم تفد من نتائج تلك الثورة، ولم تدخلها في طرائقها. ولابدّ لها بالتالي أن تساير العصر، وأن تعيش الصورة العلمية والتكنولوجية، وان تدرك أنها تعد أبناء القرن الحادي والعشرين، أبناء مجتمعات ما بعد الصناعة.
أما سبيل التربية إلى تحقيق تلك الثورة التكنولوجية، فأمر لا يتسع له هذا المجال. وقد أشرنا إلى بعض معالمه في بحثنا السابق. وحسبنا أن نقول أنها مدعوة إلى إعادة النظر في إطارها التقليدي (الصف الثابت وعدد الطلاب المحدود الذين يعلمهم معلم) وإلى تخليق بنى جديدة وتشكيلات جديدة، تفيد من التقنيات الحديثة جميعها (كالوسائل السمعية والبصرية والآلات الحاسبة وسواها). حسبنا أن نقول قبل هذا وفوق هذا أن عليها أن تدرك أنه لابدّ من استخدام النتائج التي يقدمها لنا العلم (حول طبيعة الإنسان البيولوجية والنفسية والاجتماعية) من أجل الوصول إلى تعليم أفضل وأسرع. حسبنا أن نقول بعد ذلك أن عليها أن تدرك أن ميدانها في عصر العلم والتكنولوجيا ليس ميدان تعليم الإنسان في مرحلة معينة من حياته (هي مرحلة المدرسة النظامية) بل ميدانها هو تعليم الإنسان وتدريبه المستمر من المهد إلى اللحد، عن طريق »التربية الدائمة المستمرة Life-long education «. حسبنا أن نذكر أن عليها فوق هذا كله أن تنتبه إلى أن دورها الأساسي في عصر العلم والتقنية هو أن تعدّ الإنسان لمرحلة ما قبل الإنتاج (أي للبحث العلمي والتحضير التكنولوجي والتنظيم العقلاني) بعد أن تضاءل دور مرحلة الإنتاج المباشر ودور قوى العمل البسيطة غير المؤهلة، وأن مهمتها الأساسية بالتالي أن تعدّ الأطر العلمية والفنية والإدارية اللازمة لمرحلة ما قبل الإنتاج.
ولعل هذه الحقيقة الأخيرة تتخذ شأناً خاصاً في بلداننا العربية والبلدان النامية، إذا ذكرنا أن أمل هذه البلدان في تجاوز هوة التخلف كامنة – في رأي كثير من الباحثين اليوم – في محاولتها الدخول تواً إلى تلك الثورة العلمية والتكنولوجية وفي القفز بالتالي من فوق الثورة الصناعية. وأهم وسائل مثل تلك المحاولة، أن تجهد البلدان العربية والبلدان النامية من أجل تشكيل نظم تربوية جديدة تلائم تلك الثورة، بدلاً من الاستمرار في النظم التربوية القديمة التي لا تؤدي بها إلى غير الطريق المسدود الذي كادت تبلغه.